مستقبل مشرق أمام السائقين السعوديين في رالي داكار

أُسدِل الستار على رالي داكار 2021 في المملكة العربية بنجاحٍ مُنقطع النظير مع مُنافساتٍ استمرت حتى الكيلومترات الأخيرة لحسم ألقاب الفئات، حتى المُتصدرون لم يكونوا مُتأكِّدين من فوزهم قبل اجتيازهم خطّ النهاية، بسبب صعوبة المراحل والمشاكل المُختلفة التي واجهت الكثيرين خلال الرالي مثل الأخطاء الملاحية والمشاكل الميكانيكية.

مستقبل مشرق أمام السائقين السعوديين في رالي داكار

برز خلال هذه النُسخة العديد من السائقين السعوديين ممن قدّموا أداءً طيبًا، رغم أن تأديتهم هذه لم تُترجم لنتائج قوية، إلا إنها تُعتبر أساسًا نحو تحقيق نتائج أفضل في النُسخ المُقبلة، ودليلًا على صحة المسار الذين يسيرون به، ومؤشرًا على سُرعة استفادة المُشاركين السعوديين من تنظيم حدثٍ عالميّ كبير على أرضهم. سنُلقي في هذا التقرير نظرةً سريعة على تأدية ثلاثة سائقين سعوديين نافسوا بقوة في فئاتهم.

يزيد الراجحي

إنها المشاركة السابعة على التوالي للسائق السعودي يزيد الراجحي في رالي داكار، لذا كان هدفه الأساسي المُنافسة على الفوز في نُسخة 2021، لكن تعرضه للمشاكل في سيارته تويوتا "هايلوكس" منذ المرحلة الخاصة الأولى (جدة - بيشة) أثرت على جهوده في تحقيق هذا الهدف، فإحداها كلفتّه خسارة ساعة ونصف إلى جانب مُعاناة سيارات الدفع الرباعي من كثر الانثقابات في إطارات "بي أف غوودريتش" التي لم تُطوّر منذ سنوات مُقارنةً بالنوعية المُستخدمة في سيارات الدفع الثُنائي "باغي" إلى جانب أفضلية الأخيرة فيما يتعلّق بمُواصفات السيارة والإطارات.

 

تصوير: A.S.O.

مع ذلك، لم تمنعه كل هذه الصعوبات من إظهار قُدراته في المُنافسة على المراكز الأولى عندما سنحت الفُرصة، وبمراجعة سريعة لتأديته الإجمالية كانت بدايته مُمتازة في الرالي، إذ سجّل ثالث أفضل توقيت في المرحلة الاستعراضية،  كما سجّل أوقاتًا سريعةً داخل المراحل في "أوقات الصحو"، وأنهى جميع الأيام التي لم يُواجه فيها مشاكل ضمن الخمسة الأوائل، في حين أنهى المرحلة الخامسة سادسًا، وكانت الأخيرة أسوأ نتيجة له في الأيام السعيدة، فإذا نظرنا إلى الأيام الجيّدة للراجحي سنُدرك بأنه كان يُنافس على الفوز بلقب الرالي، لكن رالي داكار ليس كله أيامًا جميلة.

من نقاط قوة الراجحي في نُسخة 2021 كانت التعافي سريعًا، أنهى اليوم الأول من المُنافسات الفعلية للرالي في المركز الـ 16 في الترتيب العام لكنه قدّم أداءً قويًا في المرحلة الخاصة الثانية (بيشة – وادي الدواسر) وأنهاها رابعًا، وتقدّم للمركز السادس ضمن الترتيب العام، مع فرصة لمزيد من التقدّم لو لم يُواجه مشاكل إضافية في المراحل التالية. علاوةً على ذلك، لاحظنا مرونة الراجحي وارتفاع مُستواه في مسألة التخطيط خلال الرالي، إذ تحوّل نحو خطّة القيادة الهجومية في النصف الأخير من الرالي عندما أيقن بأن فرصته للمُنافسة على الفوز قد تلاشت من الناحية النظرية، ليُسجّل أسرع الأوقات في مرحلّتين خاصّتين وصمد أمام ضغوطات مُنافسين أكثر خبرة وأفضل أداءً، وفضّل في المرحلة الخاصة العاشرة (نيوم - العُلا) مواصلة السير بإطارٍ مثقوب في الكيلومترات الأخيرة على التوقف لاستبداله، الأمر الذي أسهم في تحقيقه فوزه الثاني بإحدى مراحل الرالي.

ومن النقاط الإيجابية لدى يزيد هو اهتمامه بلياقته البدنية - التي كانت من بين الملاحظات السلبية عليه، كما برز الانسجام بينه وبين ملّاحه الألماني ديرك فون تسيتسفيتس، الذي عمل ملّاحًا للجنوب إفريقي جينيل دي فيلّييرز عندما فاز بلقب رالي داكار 2009. إلى جانب أنه أصبح فردًا مُهمًّا ضمن مجموعة سائقي تويوتا في الراليات الصحراوية.

كلمة أخيرة، سيكون من الظلم الحُكم على تأدية الراجحي من رالي داكار 2021 فقط، فإذا راجعنا تأديته في النُسخ السابقة سنرى أنه قدّم تأديةً أفضل: أنهى نُسخة 2020 في المركز الرابع، ونُسخة 2019 في المركز السابع، وأهدى تويوتا أول فوزٍ لها بإحدى مرحل الرالي في نُسخة 2015، كما إن في سجله لقب بُطولة السعودية للراليات الصحراوية لموسم 2019، والفوز بعدة جولات عالمية منها رالي طريق الحرير 2018، الذي يُعتبر من راليات التحمُّل الصحراوية، ورالي الفراعنة 2014.

ياسر بن حمد بن سعيدان:

سلك ياسر درب الاحترافية من خلال المُشاركات ضمن منافسات الراليات الصحراوية في دول الخليج العربي منذ أن كان بعُمر 21 عامًا، وبمرور الوقت أصبح الرجل المُناسب لتحقيق النتائج الجيدة طوال الوقت، وواحدًا من مجموعة السائقين المُتخصصين بالراليات الصحراوية حصرًا مثل الفرنسي ستيفان بيترانسيل والجنوب إفريقي جينيل دي فيلّييرز، وحقّق نتائج رائعة فيها، إذ فاز سابقًا بلقب فئتي "تي 3" للمركبات الصحراوية الخفيفة في 2013 و "تي 2" لمركبات الإنتاج التجاري في 2017 ضمن كأس العالم من الاتحاد الدولي للسيارات للراليات الصحراوية "فيا – كروس كانتري".

 

تصوير: A.S.O.

أسعفته هذه الخبرة التخصصية في أن يكون رجل التأدية الثابتة واستغلال الفُرص السانحة والقيادة وفق نمط يتلاءم مع المسارات الصحراوية، للأسف، لم تُسعفه مشاكل الموثوقية وجدارة تشغيل "باغي سينتشري" في إظهار تأديته الحقيقية، إذ إنها ليست مُناسبةً للراليات الصحراوية الطويلة، كما لم يخُض كثيرًا من المشاركات والتجارب عليها في 2020 بسبب الظروف التي رافقت جائحة الفيروس الناجي المُستجّد "كوفيد 19"، مع ذلك أظهر ياسر لمحات التأدية القوية عندما تكون السيارة في قمة عطائها، فأنهى أربع مراحل ضمن المراكز العشرة الأولى، وتمكّن مرتين من التعافي من المشاكل والتواجد ضمن المراكز العشرة الأولى في الترتيب العام المؤقت، علمًا بأن سيارته من إنتاج وتحضير فريق خاص ومُستقل بميزانية متواضعة مُقارنةً بعشرات السيارات من تحضير الفرق المصنعية. وشكّل مع زميله الفرنسي ماتيو سيرّادوري تهديدًا للسائقين الأقوياء، حيث كان قادرًا على إزعاجهم.

يعرف بن سعيان المفاتيح الرئيسية للفوز في الراليات الصحراوية: إيجاد التوازن الصحيح بين الضغط والتحلي بالصبر. إذ إن الفارق في النتائج بين مختلف السائقين يكمن في الأخطاء، كلّما ارتكبت أخطاء أقلّ كانت نتيجتك أفضل.

ولكي نضعكم بالصورة الكبيرة، شارك ياسر في رالي داكار ثلاث مرّات سابقًا، في 2014 ضمن فئة "تي 3" خلف مقود مركبة "بولاريس" لكنه انسحب في المرحلة الخامسة، وفي 2016 وأنهاه بالمركز الثالث ضمن فئة "تي 2" على متن سيارة تويوتا "لاند كروزر في دي جي 200"، وفي 2020 أنهى بالمركز التاسع مع سيارة ميني "جون كووبر ووركس باغي" في فئة "تي 1"، سيرة قصيرة نسبيًا في داكار لكنها بنتائج جيدة جدًا في رالي لا يرحم. أضف إلى ذلك مُشاركته في عشرات الراليات الصحراوية حول العالم بمُختلف أصنافها، قصيرة وطويلة وتحمُّل، أنهى معظمها فائزًا أو على منصة التتويج في فئته.

إلى ذلك، أرسى بن سعيدان لنموذج احترافي جديد من خلال التعاقد مع جهة مُحترفة لإدارة أعمال الرعاية لمسيرته الرياضية، حيث يتعامل الآن بجدية أكبر، وظهر ذلك من خلال التخطيط للعودة في الموسم المُقبل في سيارة "ميني" التي أصبحت أنضج وأفضل الآن، كما ازداد اهتمامه بلياقته الجسدية والتحضير الاحترافي لمُشاركاته.

صالح بن عبدالله السيف:

أظهر السيف تأديةً قويةً ضمن فئةٍ تشهد تنافسية عالية، مع وجود أسماء بارزة فيها منهما بطلا الفئة في الأعوام السابقة التشيلي فرانشيسكو "تشاليكو" لوبيز كونتاردو والبرازيلي رينالدو فاريلا، تفوّق السيف على العديد منهم خلال المراحل الخاصة في رالي داكار 2021، وأنهى ست مراحل خاصة ضمن الخمسة الأوائل، وسجل الفوز بمرحلة الخاصة الثانية (بيشة – وادي الدواسر)، وباستثناء المرحلة الخاصة الأولى فقد تواجد ضمن المراكز العشرة الأولى طيلة مراحل الرالي إلى أن انسحب في المرحلة قبل الأخيرة بسبب مشكلة ميكانيكية في مركبته.

رقم 412 فريق بلاك هورس: صالح السيف

رقم 412 فريق بلاك هورس: صالح السيف

تصوير: A.S.O.

مع ذلك لا يُمكننا إلا أن نشعر بالتفاؤل بأن يصبح صالح السيف من المرشحين للفوز بلقب الفئة في النُسخ التالية، علمًا بأن مشاركته في 2021 كانت الثانية له في رالي داكار، وإذا أخذنا بالاعتبار مشاركاته القليلة نسبيًا فإن نتائجه واعدة وتُؤشر لتقدُّم كبير في تأديته، سيُحاول الصالح زيادة خبرته من خلال المُشاركة في بطولة الشرق الأوسط للراليات على متن مركبة صحراوية خفيفة، حيث تم السماح لهذه الفئة بالمشاركة في البطولة اعتبارًا من هذا الموسم،  الأمر الذي سيفيده في اكتساب خبرة إضافية في القيادة على المسارات الحصوية والترابية والتعرّف على نوعيات مُختلفة من التضاريس في جولات الموسم. كما يُخطط في العام المُقبل لتوحيد جهوده ضمن فريق مُحترف وأكبر من خلال التعاون مع السائق القطري خليفة بن صالح العطية - شقيق ناصر، سيكون أول فريق عربي من نوعه يُشارك في فئة المركبات الصحراوية الخفيفة اعتبارًا من رالي داكار 2022، خطوة حميدة مباركة من شأنها تعزيز المُستوى الاحترافي للسيف وتصبح أيضاً تجربة يُحتذى بها بين السائقين العرب في الراليات الصحراوية ورالي داكار.

وهكذا، لا يُمكننا إلا أن نشعر بالارتياح والاطمئنان بأن مُستقبل السائقين السعوديين في رالي داكار واعدٌ جدًا، وبأنهم أصبحوا أرقامًا صعبةً في المنافسة على الفوز في النُسخ المُقبلة إن شاء الله، كما يُمهّد الطريق سريعًا لوصول جيل جديد من المشاركين السعوديين في رالي داكار في وقتٍ أقصر مما استغرقه ظهور أبطال من أمريكا الجنوبية بين 2009 و2019 خلال الفترة التي أُقيم الرالي فيها هناك.

المشاركات
التعليقات
معرض صور: أجمل الصور من رالي داكار 2021

المقال السابق

معرض صور: أجمل الصور من رالي داكار 2021

المقال التالي

السعودية تتألق في عالم رياضة السيارات مع مجموعة من أبرز الأحداث وأهمها

السعودية تتألق في عالم رياضة السيارات مع مجموعة من أبرز الأحداث وأهمها
تحميل التعليقات

حول هذه المقالة

السلاسل رالي داكار