تحليل: هل كان رايكونن قادرًا على الفوز بسباق البحرين؟

تحليل: هل كان رايكونن قادرًا على الفوز بسباق البحرين؟


يقوم الصحافي بتحليل مُجريات سباق جائزة البحرين الكُبرى. هل كانت فيراري قادرة حقًا على الفوز بالجولة الرائعة مع سائقها الفنلندي كيمي رايكونن؟

لم يكن سباق جائزة البحرين الكُبرى الأفضل خلال هذا الموسم فحسب، بل قدّم أيضاً خير مثال على سباقات الفورمولا واحد الحديثة التي تجمع الإستراتيجية الجيدة والتجاوزات المثيرة في لعبة شطرنج سريعة للغاية.

شبكة الإنطلاق التي جمعت بين ثنائي مرسيدس ونظيريهما من فيراري على الصف الأول والثاني أنبأت بمعركة تسابق وتلاحق خلال السباق وهذا ما حدث بالفعل مع نتيجة مفاجئة بعض الشيء، لكن الأهم أن هذه المعركة أعطتنا لمحة عمّا سيكون عليه باقي الموسم.

تمكن الفنلندي كيمي رايكونن من اجتياز العلم الشطرنجي في المركز الثاني لصالح فيراري، لكن هل كان بإمكانه الفوز بالسباق؟ وهل تخلت مرسيدس عن نيكو روزبرغ عندما نجح سيباستيان فيتيل في إجراء توقفه والخروج أمامه لمرتين؟ لدينا الأجوبة هُنا.

اعتبارات ما قبل السباق

قبيل انطلاق سباق البجرين كان من الواضح أن الاستراتيجية الافتراضية ستعتمد على توقفين لمعظم الفرق، بيد أن تواجد بعض السيارات السريعة خارج مكانها الفعلي مثل باستور مالدونادو الذي احتل المركز الـ16 إضافة إلى دانييل كفيات في الخانة الـ17، أعطى إشارة حول إمكانية اتباع استراتيجيات مختلفة. مالدونادو كان يهدف إلى القيام بثلاثة توقفات حيث عملت خطته بشكل جيد إلى حين تعرضه لبعض المشاكل وحصوله على عقوبة.

وكان من الواضح من خلال ترتيب شبكة الإنطلاق أن فيراري ستتبع نهجًا عدوانيًا في ظل انطلاق فيتيل من المركز الثاني وزميله رايكونن من المركز الرابع مع ترجيح اتباع كل منهما لاستراتيجية مختلفة في محاولة للتغلب على السهام الفضية لكن الأخيرة كانت جائزة لذلك. لذلك سنقوم بالتدقيق في كل الجوانب من أجل معرفة النحو الذي سارت عليه الأمور.

هل كان من الممكن لرايكونن أن يفوز بالسباق مع قرارات مختلفة؟

تساءل بعض المشجعين والمعلقين حول فرص الفنلندي في الفوز بالسباق بعدما تمكن من تقليص الفارق مع هاميلتون في آخر لفة من السباق. من الواضح بأن أحدًا لم يكن ليعلم أن البريطاني سيواجه مشاكل في مكابح سيارته، وهو ما كان سيفتح الباب أمام جميع الإحتمالات لو تواصل السباق لبضع لفات إضافية.

وبالإعتماد على السباق الذي حصلنا عليه، في حال أجرى رايكونن توقفه الثاني أبكر بقليل عندما كان يخسر الكثير من الوقت على إطاراته المهترئة، هل كان ليحصل على فرصة لتجاوز هاميلتون عند النهاية؟

هذا سؤال مثير للإهتمام، ربما كان الفنلندي السائق الأسرع خلال السباق لكنه واجه مشكلتين: أوّلهما أنه انطلق من المركز الرابع من مجمل أسرع أربع سيارات. وثانيهما أنه خسر الكثير من الوقت خلال الفترة الأولى من السباق عندما لم يتمكن من تجاوز زميله فيتيل. وبعد إجراء توقفه الأول، تمكن من رفع وتيرته ليصبح الأسرع بين الأربعة الأوائل.

تمكن رايكونن من تجاوز روزبرغ على الإنطلاقة ليتقدم إلى المركز الثالث، لكنه عاد ليتراجع خلف الألماني بعد ثلاث لفات. كانت تلك أولى ثلاث مناسبات يتمكن فيها الأخير من تجاوز سيارة فيراري، أما التجاوزان الآخران فقام بهما على فيتيل.

وبعد تأسيس بعض الفوارق الزمنية بين السائقين، علم رايكونن أن وتيرة فيتيل كانت أبطأ منه بقليل وبإمكانه القيادة بشكل أسرع لو تمكن من تجاوزه وهذا ما اقترحه في محادثات الراديو مع فريقه لكن الترتيب تواصل على حاله لحين قيام فيتيل بالتوقف باكرًا من أجل تجاوز روزبرغ.

الفنلندي واصل دورانه على الحلبة. كانت استراتيجية فيراري بالنسبة إليه معاكسة للأخرى مع فيتيل وهي تقضي بوضع فارق مع السيارات الأخرى المنافسة حيث انتقل لاستخدام الإطارات المتوسطة خلال القسم الثاني من السباق. هذه الخطة تمحورت حول خروج رايكونن على الإطارات اللينة خلال فترة قصيرة من أجل اللحاق بمرسيدس في اللفات الختامية.

سارت الأمور بشكل أفضل من المتوقع حيث كانت وتيرته على الإطارات المتوسطة في منتصف السباق أسرع من فيتيل وروزبرغ ومساوية لسرعة المتصدر هاميلتون رغم أن ثلاثتهم كانوا على الإطارات اللينة.

السؤال الأهم هو: هل بقي رايكونن على الإطارات المتوسطة لفترة طويلة عندما كان يخسر قرابة ثانيتين في اللفة الواحدة؟ الجواب هو أنه ربما بقي للفة إضافية وليس أكثر من ذلك. لكن النتيجة لم تكن لتتغير كثيرًا لو توقف باكرًا كون خطته كانت تقتضي الحصول على فارق كبير بين وتيرتي الإطارات خلال اللفات الختامية.

قام الفنلندي باستخدام الإطارات اللينة الـ17 لفة عند النهاية، أما قيامه لـ19 لفة فلم يكن مثاليًا كونه سيتمكن من اللحاق بروزبرغ باكرًا لكنه لن يحصل على الفارق الضروري في الوتيرة لتجاوزه. كان بحاجة إلى عمر أطول في إطاراته اللينة وتكون السيارة المنافسة بصدد خسارة أدائها على الإطارات المتوسطة.

وكما سار عليه الحال، تمكن رايكونن من اللحاق بروزبرغ بسرعة لكنه أمضى ثلاث لفات خلفه قبل أن يتمكن من تجاوزه بعد معاناة الأخير من مشكلة في مكابح سيارته. رغم أن الأمور تبدو مؤلمة خلال نهاية الفترة الثانية عندما كان يخسر ثانية أو اثنتين في اللفة الواحدة، كان كل شيء يعتمد على موازنة ذلك مع فارق السرعة عند النهاية وهو ما سيعطيك فرصة التجاوز.

ربما كان التوقف متأخرًا بلفة عن الخطة المثالية لأن رايكونن لم يكن مقتنعًا بأن الإطارات اللينة هي الإطارات المناسبة لهذا القسم الأخير من السباق وربما قاموا بتأخير التوقف للفة واحدة من أجل إقناعه.

لذلك لم يكن تأخير التوقف هو ما كلفه فرصة الفوز بالسباق. يمكن القول بأن عاملين آخرين لعبا دورًا أكبر: أولهما مركز انطلاقه إذ لو أنه انطلق من المركز الثاني مكان زميله فيتيل لكنا حصلنا على سباق مختلف تمامًا نظرًا لوتيرته السريعة. أما الثاني فلو سمحت له فيراري بتجاوز زميله عند اللفة الثامنة كان ليتمكن من بلوغ المركز الثاني في وقت مبكر وربما كان ليضع بعض الضغط على هاميلتون من هناك.

هل سمحت مرسيدس بأن يتم تجاوز روزبرغ من قبل فيتيل عند وقفات الصيانة؟

أحد الأسباب التي منعت فيراري من فتح المجال أمام رايكونن لتجاوز فيتيل أنها كانت تخطط لاتباع استراتيجية عدوانية مع الأخير من أجل تجاوز روزبرغ عند التوقف الأول الذي كان من المقرر إجراؤه بعد بضع لفات من تلك النقطة. البعض قال بأن فيتيل سيكون بمثابة الأضحية من أجل حصول رايكونن على تجاوز سلس في ظل تغطية مرسيدس لتوقف فيتيل عن طريق إدخال روزبرغ ومن ثم هاميلتون لتغيير إطاراتهما، بعبارة أخرى قامت فيراري بوضع رزنامة التوقفات لمرسيدس خلال هذا السباق.

علمت السهام الفضية بأنه سيتم تجاوزها خلال التوقفات، توقعوا أن يحدث ذلك انطلاقًا من اللفة الـ12، وفي الواقع كانت فيراري أقل عدوانية مما ظهرت عليه إذ لم يكن لديهم فارق كاف من أجل التوقف والخروج أمام سيرجيو بيريز لذلك قاموا بتأخير التوقف للفة إضافية والدخول عند اللفة الـ13.

دائما ما تكون السيارة التي في الأمام في وضع غير مناسب في هذا الموقف إذ أن السيارة التي خلفها بإمكانها إجراء توقف بشكل مفاجئ والحصول على طقم إطارات لينة جديدة ومن ثم الضغط مجددًا عند لفة العودة إلى الحلبة من أجل الحصول على فارق 2.5 ثانية بالمقارنة مع السيارة الأخرى وهو نفس الفارق ما بين الإطارات الجديدة والمتهالكة.

تستجيب السيارة التي في الأمام من أجل تغطية هذه المحاولة، لكن إذا قامت السيارة الأخرى بالحصول على كامل فارق 2.5 ثانيّة من الإطارات الجديدة فستخسر مركزك. فيتيل كان يتخلف بفارق 1.8 ثانية قبل إجراء توقفه عند اللفة الـ13.

ولو قام روزبرغ بالتوقف عند تلك اللفة نفسها من أجل المحافظة على مركزه أمام فيتيل لجعل من نفسه أكثر عرضة للخطر القادم من قبل رايكونن عند نهاية السباق.

بالرغم من ذلك، كان هناك جانب آخر من هذه الإستراتيجية. من أجل نجاح هذه العملية يتوجب عليك الضغط بشكل كبير على الإطارات خلال اللفة الإفتتاحية وهو ما يرفع من حرارتها بشكل كبير ويسبب بعض المشاكل لاحقًا في آخر الفترة، بالإضافة إلى ذلك ستستهلك كامل شحنة البطاريات من نظام استعادة الطاقة. هذا يجعلك في موقف حرج خلال اللفة التالية عندما تكون السيارة التي تجاوزتها خلال التوقف تدور على الإطارات الجديدة ولديها كامل شحنة الطاقة في البطاريات لاستخدامها عند الخط المستقيم. الأمور تبدو كأنها لعبة قط وفأر، فهذا حقًا ما يدور في عقل كل الإستراتيجيين في الفورمولا واحد.

هذا السيناريو هو ما حدث بالضبط عند اللفة الـ15 عندما تمكن روزبرغ من إعادة تجاوز فيتيل عند الخط المستقيم في ظل خروج هاميلتون من خط الحظائر. كان ذلك التجاوز يتمحور حول حصول روزبرغ على كامل قدرات نظام استعادة الطاقة بينما كان فيتيل لا يزال يعاود جمع الطاقة بعد لفته السريعة.

صحيح أن مرسيدس ارتكبت بعض الأخطاء وهو ما سمح لفيتيل بالتجاوز في المقام الأول. بالإضافة إلى ذلك كان التوقف أبطأ بحوالي 0.8 ثانيّة عن المعدل العام ولم يقم فريق الإستراتيجيات بترك فارق كافٍ مع فيتيل. لكن روزبرغ كان قادرًا على تعويض ذلك والنجاح في تجاوز الأخير.

على عكس ذلك كان التجاوز مختلفًا عند التوقف الثاني: لم تمتلك مرسيدس أي خيار سوى ترك روزبرغ على الحلبة عند توقف فيتيل لأن إجراء توقف لسائقها الألماني خلال اللفة التالية كان سيعرض فرص هاميلتون في الفوز بالسباق للخطر وهو ما كان أولوية مرسيدس عند تلك النقطة.

توقف فيتيل عند اللفة الـ32 وكان الأمثل أن يتوقف هاميلتون في اللفة التاليّة، لذلك قررت مرسيدس اجراء توقفه أولا ومن ثم إجراء توقف روزبرغ في اللفة الموالية. كان عليهم فعل ذلك عند توقف فيتيل في حالة دخول سيارة الأمان أو وقوع أي حادث مفاجئ. أي فريق آخر كان ليقوم بذلك في نفس تلك الظروف.

لكن لم يكن هناك مفرّ من تجاوز فيتيل لروزبرغ مرة أخرى. ولحسن حظ مرسيدس ارتكب سائق فيراري خطأ آخر أدى إلى تضرر جناحه الأمامي وهو ما أعاد لروزبرغ مركزه وأخرج فيتيل من دائرة المنافسة وتراجع خلف فالتيري بوتاس الذي كان يسير بوتيرة جيدة بعد أن أجرى توقفيه في اللفتين 14 و34. فيتيل لم يتمكن من تجاوز الفنلندي وانتهى به المطاف في المركز الخامس.

كان من المثير للإهتمام رؤية بقية مجريات السباق لو لم يتضرر جناحه الأمامي حيث كان زميله رايكونن ليلحق به قرب النهاية لو واصل على نفس خطته الأساسية.

إذا ماذا يخبرنا هذا التسابق بما سنشهده خلال الموسم؟

أوّلاً يدل ذلك على أن فيراري تمتلك سيارة قوية في السباق وفريقًا جديدًا من المهندسين والاستراتيجيين الذين يعملون في تناغم وانضباط مثيرين للإعجاب في ظل حصولهم على الضوء الأخضر من قبل رئيس الفريق لاتباع استراتيجيات عدوانية. هذا أمر مشجع للغاية للسباقات المقبلة.

أحد الأسباب التي تجعل من فيراري سيارة سريعة في السباق هو احتوائها على وضع محرك عدواني بالإضافة إلى بطاريات قوية وضاغط هواء ذو كفاءة عالية وهي قادرة على استخدام كامل هذه التركيبة طيلة فترات السباق، وفي المقابل تضطر مرسيدس للانتقال إلى وضع "السباق الآمن" في بعض الأحيان. هذا من شأنه أن يعطي جملة من الفرص لفريق فيراري، فعلى مسافة سباق كاملة لا يوجد هنالك الكثير من الفوارق بين وحدتي الطاقة.

مرسيدس لا تزال تتربع على صدارة التجارب التأهيلية وهو ما يعطيها أفضلية مراكز الإنطلاق على المسار، وفي المقابل وفي حال واصلت فيراري نفس نهج التطوير الذي تتبعه فيمكننا حينها الحصول على معركة على لقب البطولة هذا العام.

إضافة إلى ذلك أظهرت الفترة الوسطى من سباق رايكونن على الإطارات المتوسطة أن فيراري تستطيع مجاراة وتيرة مرسيدس خلال الظروف الجوية الحارة باستخدام الإطارات الأكثر قساوة. لم يكن الحال كذلك خلال الظروف الأكثر برودة في الصين قبل ذلك بأسبوع حيث وسعت السهام الفضية الفارق كثيرًا.

يبين ذلك أيضاً أن لعبة التسابق والتلاحق عند إجراء وقفات الصيانة واستنزاف كامل قدرات أنظمة استعادة الطاقة وجميع الخطط المرتبطة بها من شأنها أن تقدم عروضًا شيّقة وسباقات مثيرة.

في بعض الأحيان، تم اللّجوء إلى استخدام الإستراتيجية في سباقات الفورمولا واحد بدل التجاوز، لكنها ولحسن الحظّ هذا الموسم، استخدمت إلى جانب التجاوز كحزمة واحدة.

كن جزءًا من مشروعٍ كبير

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
نوع المقالة أخبار عاجلة
وسوم سباق البحرين, فريق فيراري, فريق مرسيدس, كيمي رايكونن, لويس هاميلتون