تحليل: اللحظات الستّ الفاصلة في رحلة هاميلتون للفوز في أوستن

اعتقد معظم متابعي سباق جائزة الولايات المتّحدة الكبرى أنّ لويس هاميلتون سينتظر حتّى الجولة المقبلة في المكسيك ليتوّج بلقبه العالمي الثالث، إلاّ أنّ خطأ نيكو روزبرغ ساعد البريطاني على حسم لقب البطولة. يقوم آدم كوبر بتحليل أبرز لحظات سباق أوستن.

بعد ساعات متواصلة من هطول الأمطار الغزيرة في أوستن، حدثت معجزة يوم الأحد. بدأت حدّة الأمطار تخفّ قرب وقت الغداء قبل أن تتوقّف نهائياً بعد ذلك بقليل. وقبل خمس دقائق على فتح خطّ الحظائر لتتوجّه السيارات نحو شبكة الانطلاق، بدأت الشمس تشقّ طريقها بين السحب لتنشر أشعّتها على الحلبة.

ضمن لنا تحسّن الظروف الحصول على انطلاقة طبيعيّة بدل انطلاقة خلف سيارة الأمان، بالإضافة إلى الجفاف السريع للمسار وما سيقّدمه ذلك من إثارة.

بعد إلغاء القسم الثالث من التجارب التأهيليّة قبل ذلك بساعات، خلال عطلة نهاية أسبوع اعتقدنا فيها جميعاً أنّه من الممكن إلغاء السباق، فاقت الإثارة على مدار 56 لفّة مستوى التوقّعات. استمتعنا بواحد من أكثر السباقات متعة خلال السنوات الأخيرة كما شهدنا تتويج البريطاني باللقب مع عبور سيارات المقدّمة خطّ النهاية.

كان سباقاً رائعاً بفضل عاصفة مثاليّة قدّمت لنا انطلاقة على حلبة مبلّلة سرعان ما بدأت بالجفاف، علاوة على نقص التحضيرات على مدار عطلة نهاية الأسبوع، بالإضافة إلى سلسلة من الحوادث أعادت السباق إلى نقطة الصفر عدّة مرّات لتضمن تقلّب فرص المنافسين على الصدارة والبطولة أيضاً.

نقص التحضير للسباق كان عاملاً مهماً. توجّب على السائقين استخدام ثلاثة أنواعٍ من الإطارات ("إنترميدييت"، المتوسّطة، الليّنة) لم يكن بوسعهم تجربتها مسبقاً خلال حصص التجارب التي ألغي معظمها، كما أنّ عدم التأكّد من كيفيّة تطوّر الأمور تركت الجميع على أهبة الاستعداد طوال الوقت، حيث أعطت ظروف الحلبة الأفضليّة لتركيبة الهيكل والإطارات في مرحلة أولى ومن ثمّ قوّة السيارات في مرحلة ثانية قبل أن تعود الأفضليّة إلى عمر الإطارات مرّة أخرى.

وقال توتو وولف لموقعنا «موتورسبورت.كوم»: "كان السباق صعباً للغاية، توجّب علينا اتّخاذ العديد من القرارات خلال فترات سيارة الأمان الافتراضيّة وسيارة الأمان الفعليّة. أعتقد أنّ الحظّ حالفنا في النهاية، حالف الحظّ هاميلتون للفوز بالبطولة نتيجة حادث كفيات، لكنّ السباق كان صعباً للغاية".

من المرجّح أنّ قصّة كاملة لهذا السباق والدور الذي لعبه فريقا ريد بُل وفيراري لتقديم أمسية خيالية كهذه تكفي لملء كتاب كاملٍ. سنقدّم لكم أهمّ ستّ لحظات فارقة في عمر هذا السباق خلال المعركة بين هاميلتون وروزبرغ:

1 - الانطلاقة – الأفضليّة لهاميلتون

ضمن لنا المسار المبلّل بالإضافة إلى إطارات "إنترميدييت" وعدم المعرفة الدقيقة لنقطة عمل القابض المثاليّة، الحصول على انطلاقة مثيرة. وكما كان عليه الحال في سباق اليابان، أظهر هاميلتون رغبته بالفوز عندما دفع روزبرغ إلى خارج المسار عند المنعطف الأوّل.

خرجت سيارتا مرسيدس سليمتين من تلك المناوشة، لكنّ الأهمّ أنّ هاميلتون كان في صدارة السباق.

تبيّن أنّ الفترة الأولى كانت حابسة للأنفاس، حيث أظهرت سيارتا ريد بُل وتيرة قويّة ليشقّ ريكاردو طريقه متجاوزاً روزبرغ في مرحلة أولى وهاميلتون في مرحلة ثانية.

كما كان وضع الإطارات مثيراً للاهتمام حيث بدأت إطارات الـ "إنترميدييت" تتآكل ما صعّب من مهمة السائقين في تقديم أزمنة تنافسيّة. لكنّ الوقت كان لا يزال مبكّراً حينها للانتقال إلى الإطارات الملساء، انتقلت الأفضليّة حينها لصالح روزبرغ الذي بدأ يضغط بشدّة على هاميلتون. بدأ الوضع حينها يصبح أكثر إثارة...

2 - الانتقال إلى الإطارات الملساء – الأفضليّة لروزبرغ

لم يكن لدى أيّ كان معلومات أكيدة حيال موعد الانتقال إلى الإطارات الملساء، بالرغم من إشارة بيريللي إلى أنّ الوقت المناسب سيكون عند تسجيل أزمنة في حدود 1:48 دقيقة.

حاول فريقا ويليامز وساوبر بشكلٍ متفائلٍ للغاية استغلال توقّف سائقيهما المبكّر، بعد حوادث اللفّة الأولى، للانتقال إلى الإطارات الليّنة لبوتاس ونصر توالياً، لكنّ النتيجة كانت كارثيّة بكلّ المقاييس.

مع تقدّم السباق، واجه الجميع ضرورة اتّخاذ قرار صعب بالنظر إلى أنّ إطارات الأمطار كانت في آخر مراحل استخدامها، لكنّ الانتقال إلى الإطارات الملساء أبكر بلفّة أو اثنتين من موعدها المثالي سيتسبّب في انخفاض درجة حرارتها وهو ما يصعب استرجاعه فيما بعد. كان فريق ساوبر أوّل من قدّم للآخرين الإجابة عن هذا السؤال المحيّر عندما أجرى ماركوس إريكسون توقّفه في اللفّة الـ 16 وبدأ بتسجيل أزمنة سريعة في عدّة مقاطع من الحلبة.

بعد ذلك بلفّة أجرى جنسن باتون توقّفه ليتأكّد المتصدّرون حينها أنّ الوقت قد حان بالفعل للدخول وتغيير الإطارات. أعطت مرسيدس الأولويّة لهاميلتون الذي دخل خطّ الحظائر في اللفّة الـ 18 إلى جانب سيباستيان فيتيل والعديد من السائقين الآخرين.

في اللفّة التالية، قام روزبرغ وثنائي ريد بُل بتغيير إطاراتهم، إذ ومع انتهاء سلسلة التوقّفات، حافظ ريكاردو على صدارته بالرغم من تقلّص الفارق بينه وبين روزبرغ، دانيل كفيات وهاميلتون.

كان من الواضح بأنّ وتيرة ريد بُل لم تكن سريعة على الإطارات الملساء. في المقابل، كان روزبرغ يحلّق على حلبة الأمريكيّتين ليتقدّم سريعاً إلى الصدارة ويبدأ بتوسيع الفارق. في أثناء ذلك عانى هاميلتون قليلاً، لكن مع ارتفاع حرارة إطاراته، شقّ البريطاني طريقه إلى المركز الثاني، لكنّ روزبرغ كان بعيداً في الأمام.

3 - سيارة الأمان بعد توقّف سيارة إريكسون – الأفضليّة لهاميلتون

بعد أن أعلم الجميع بموعد الانتقال إلى الإطارات الملساء، قلب إريكسون السباق رأساً على عقب بعد توقّف سيّارته على المسار. تغيّر نظام سيارة الأمان الافتراضيّة سريعاً إلى سيارة أمان فعليّة ليتبخّر فارق الـ 12.1 ثانية الذي كان يتمتّع به روزبرغ أمام هاميلتون.

لم يتوقّف أيٌ من سائقي مرسيدس حيث لم يتجاوز عمر إطاراتهما حاجز العشر لفّات، لكنّ فيتيل سلك درباً مختلفاً بتوقّفه للانتقال إلى الإطارات المتوسّطة فاتحاً بذلك المجال أمامه لإنهاء السباق على تلك المجموعة من الإطارات. فتح ذلك سيلاً من الأفكار على الأسهم الفضيّة.

حافظ روزبرغ على الصدارة عند استئناف السباق، لكنّ هاميلتون واصل ضغطه مسجّلاً أسرع الأزمنة.

4 - سيارة الأمان الافتراضيّة بعد حادث هلكنبرغ – الأفضليّة لروزبرغ

بعد خمس لفّات من التسابق، اصطدم هلكنبرغ بريكاردو ما أدّى إلى تشغيل نظام سيارة الأمان الافتراضيّة. واجهت الفرق تحدّي معرفة ما إذا كانت سيارة الأمان الافتراضيّة ستتغيّر إلى أخرى فعليّة من أجل تضمين ذلك في الإستراتيجيّة.

عند تلك النقطة، قرّر فريق مرسيدس اتّباع استراتيجيّتين مختلفتين، كانت تلك خطوة نادرة بالنسبة لفريق يفتخر بعدم ترجيح كفّة أحد سائقيه على الآخر، لكنّ ذلك أضفى طعماً إضافياً على منحى السباق.

تعقّدت الأمور بالنسبة للفريق الألماني من خلال مخاطرة فيتيل، حيث بدأت مرسيدس تقلق من خطر سائق فيراري بدل الاكتفاء بالتفكير في نتيجة معركة روزبرغ وهاميلتون.

الأمر الإيجابيّ بخصوص نظام سيارة الأمان الافتراضيّة أنّك لا تخسر الكثير من الوقت بالمقارنة مع توقّفك أثناء التسابق الطبيعي. لذلك أجرى روزبرغ توقّفاً لتغيير إطاراته ما يمكّنه من المواصلة حتّى نهاية السباق.

كان من الممكن أن يدخل هاميلتون معه في نفس اللفّة، مثلما فعلت ريد بُل. لكنّ البريطاني واصل السير على الحلبة من أجل ضمان تغطية مرسيدس الخطر القادم من جانب فيتيل بأيّة طريقة. كما أشار وولف، حصلت مرسيدس على فرصة للتثبّت من الإطارات التي غيّرها روزبرغ لمحاولة تقييم ما سيحدث بالنسبة لهاميلتون.

5 - سيارة الأمان بعد حادث كفيات – الأفضليّة لهاميلتون

بعد استئناف السباق مجدّداً كان هاميلتون متقدّماً بخمس ثوانٍ على فيتيل، وثمانٍ على روزبرغ حيث كان الأخير على متن إطارات جديدة. كان بإمكان الثنائي الألماني المواصلة حتى النهاية، في حين كان من المرجّح أن يتوجّب على هاميلتون إجراء توقّف لتغيير الإطارات خلال ما تبقّى من عمر السباق، إذ كان ذلك سيكلّفه الكثير.

كانت هنالك الكثير من الأمور التي يجب التفكير فيها، حيث قال مهندس هاميلتون: "يجب علينا الحصول على عشر ثوانٍ إضافيّة بالمقارنة مع فيتيل، لسنا متأكّدين أنّ بإمكاننا فعل ذلك على هذه الإطارات..."

مع بلوغ السباق اللفّة الـ 42، كان البريطاني متقدّماً على زميله بفارق 6.2 ثانية، حيث كانت إطارته تقترب من نهاية عمرها مع بقاء 16 لفّة على النهاية. كان الوضع سيّئاً بالنسبة لهاميلتون.

لكنّ ذلك تغيّر فجأة بعد أن تسبّب حادث كفيات بدخول سيارة الأمان. لم يكن توقيتها ليكون أفضل من ذلك بالنسبة لهاميلتون الذي دخل مباشرة لتغيير إطاراته. تقدّم روزبرغ إلى الصدارة لكن البريطاني عاد خلفه على متن إطارات أجدد بخمس لفّات.

في أثناء ذلك، استغلّ فيتيل دخول سيارة الأمان ليجري توقّفاً إضافياً، وبالرغم من خسارته مركزاً لصالح فيرشتابن، إلاّ أنّه حصل على أفضليّة الإطارات الجديدة.

6 - إعادة الانطلاقة الأخيرة – عشر لفّات للفوز بالبطولة...

عند استئناف السباق مع بقاء عشر لفّات على النهاية، كان الجميع بانتظار معركة ختاميّة بين ثنائي مرسيدس، حيث كان هاميلتون جاهزاً للتحدّي.

لكن اتّضح بعد ذلك بقليل، أنّه لم يكن بحاجة لبذل مجهود إضافيٍ للتقّدّم إلى الصدارة، حيث خرج روزبرغ عن المسار مهدياً المركز الأوّل لهاميلتون.

التفسير الوحيد لخطأ روزبرغ كان تواجد هاميلتون خلفه، بالرغم من أنّ البريطاني قال: "واجهت نفس المشكلة التي حصلت معه. لكنّني لم أخرج عن المسار، واجهت نفس مشكلة التفاف العجلات حول نفسها عندما كنت أغيّر زراً على المقود عند نفس المنعطف، إذ كدت أن أخسر السيطرة على السيارة، أتفهّم ما حصل وأتعاطف معه".

التعاطف لم يلملم جراح روزبرغ، الذي كان من الممكن أن يسجّل واحداً من أفضل الانتصارات في مسيرته ليُسكت جميع منتقديه بالمقارنة مع تأدية هاميلتون هذا العام.

في المقابل وجد الألماني نفسه يدافع عن مركزه الثاني أمام هجمات فيتيل، ومن خلال القيام بذلك، ضمن روزبرغ عدم انتظار هاميلتون حتّى السباق المقبل في المكسيك من أجل حسم لقب البطولة لصالحه.

ردّة فعل السائقَين بعد السباق كانت تحمل الكثير في طيّاتها وكان من الطبيعي أن يكون روزبرغ منزعجاً من الطريقة التي انتهى بها يومه، كما كان منزعجاً من التلامس الذي حدث عند المنعطف الأوّل.

وقال وولف حيال تلك الحادثة: "قال لويس على جهاز الراديو أنّه لم يقم بذلك عن قصد. أعتقد أنّنا سنتحدّث حول هذا الموضوع خلال اليومين المقبلين، لكنّنا سنحتفل الآن ببطل عالمٍ يستحقّ الحصول على هذا اللقب، لكن بعد أن تهدأ المشاعر، سنتحدّث حول هذا الموضوع".

كن جزءًا من مشروعٍ كبير

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة الولايات المتحدة الكبرى
حدث فرعي سباق يوم الأحد
حلبة حلبة أمريكا
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ , سيباستيان فيتيل
قائمة الفرق فيراري , مرسيدس
نوع المقالة تحليل