تحليل: معركة سباق اليابان التي غابت عن شاشات التلفزة

عاد الترتيب إلى وضعه الطبيعي على حلبة سوزوكا بعد معاناة غامضة لمرسيدس في سنغافورة، لكن نتيجةً لتجاهل عدسات الكاميرا لسيارتي الحظيرة الألمانيّة، لم يشاهد معظم المتابعين ما قام به لويس هاميلتون ليحرزفوزه الثامن هذا الموسم.

في توقيت مثالي، تمكّن هاميلتون وفريقه مرسيدس من استعادة توازنهما بعد سباق مخيّب في سنغافورة ليتوجّها نحو تسجيل انتصار محكمٍ على حلبة سوزوكا التي لم تبتسم كثيراً لبطل العالم.

وفي حين بدا السباق تكراراً لمعظم الجوائز الكبرى التي شهدناها هذا العام، إلاّ أنّ الكثير من العمل كان يجري خلف الأضواء لضمان استعادة الماكينات الألمانيّة نغمة الفوز.

كان من المهمّ للغاية أن تقدّم مرسيدس سباقاً قوياً على الحلبة اليابانيّة التي تختلف خصائصها عن سنغافورة بالإضافة إلى اختلاف تركيبة الإطارات المستخدمة، حيث سيلعب التحقيق في ما حدث في سنغافورة دوراً مهماً في الحلبات المقبلة التي تمتاز بتطلّبها للارتكازيّة والإطارات الليّنة.

تعقّدت الأمور بالنسبة للجميع من خلال مستويات الضغط التي فرضتها بيريللي بالإضافة إلى الأمطار يوم الجمعة، وهو ما ترك وقتاً قليلاً للفرق لرفع وتيرتها والتحضير للسباق خلال حصّة التجارب الحرّة الثالثة. كان هناك الكثير من العمل لإنجازه.

"هذه مخاطرة جديدة، أليست كذلك؟" قال بادي لوي لموقعنا «موتورسبورت.كوم» وأضاف: "عندما تملك سيّارة قادرة على الفوز، كلّ شيء يزيد المخاطرة ويصعّب الأمور بالنسبة إليك، حيث توجد إمكانيّة للفشل".

ثمّ تابع: "قمنا بأشياء مختلفة على السيارتين كوننا واجهنا بعض المشاكل مع الإطارات. خسرنا إطاراً من جهة روزبرغ، لذلك توجّب علينا اتباع برنامجٍ مختلف. أعتقد أنّنا حصلنا على البيانات الصحيحة".

العودة إلى الصدارة

كان من الواضح أنّ مرسيدس عادت إلى وضعها الطبيعي. استمتع روزبرغ بطلعته الأولى أثناء القسم الثالث من التجارب التأهيليّة في حين أغلق هاميلتون مكابحه عند بعض المنعطفات، لكنّ العلم الأحمر أطاح بأيّة فرصة للأخير في الحصول على قطب الانطلاق الأوّل.

البريطاني كان واثقاً من قدرته على تحسين زمنه لو عاد إلى الحلبة مرّة أخرى. وأوضح مساء السبت أنّ فرصه ستكون على الانطلاقة حيث من الصعب ملاحقة منافسك على هذه الحلبة بينما يعدّ التجاوز أكثر صعوبة.

وعندما سئل عن الطريقة التي ستمكّنه من تحقيق الفوز أجاب هاميلتون: "هذا هو سؤال المليون دولار. الأمر مشابه للمرّات السابقة، لديك فرصة على الانطلاقة. لا توجد فرصة كبيرة من خلال الاستراتيجيّة، لكن لا يمكن القول بأنّ ذلك مستحيل. يمكنك ربّما اتباع استراتيجية مختلفة للإطارات، لكن لا أملك أيّة فكرة في الوقت الحاضر".

في النهاية، جرت الأمور لصالحه على الانطلاقة، بالرغم من أنّ المنافسة كانت متقاربة.

كانت انطلاقات سيارتي مرسيدس باهتة بعض الشيء خلال الأسابيع الأخيرة، وفي حين أنّهما انطلقا بشكلٍ جيّدٍ عند انطفاء الأضواء إلاّ أنّ هاميلتون تقدّم إلى الأمام.

وقال لوي في هذا الصدد: "بدا أنّ كلاهما قدّما انطلاقة جيّدة، هذا إنجاز إضافيّ هذا اليوم".

وأضاف: "واجهنا فترة صعبة مع الانطلاقات خلال الأشهر الأخيرة، بالرغم من أنّها تعدّ جيّدة على معدّل موسم كامل. واجهنا فقط سلسلة انطلاقات مضطربة. باتت المشكلة في عدم القدرة على التنبأ (بعد القيود التي فرضت منذ سباق بلجيكا)، لا يمكنك أن تتأكّد أنّك حللت المشكلة إلا في حالة تقديمك انطلاقة جيّدة عدّة مرّات".

لكن لم تكن الانطلاقة الأساسيّة هي التي أحدثت الفارق هذه المرّة حيث تضرّرت فرص روزبرغ خلال المرحلة الثانية منها جرّاء نقصٍ طفيف في طاقة محرّكه.

وقال المدير التنفيذي لفريق مرسيدس توتو وولف في هذا الصدد: "كان التحرّك الأوّلي جيّداً لكليهما. لكنّ روزبرغ واجه مشكلة مع ارتفاع حرارة وحدة طاقته حيث تأخّر عملها بشكل جيّدٍ لبضع ثوانٍ، لم يكن لديه نفس القدر من الطاقة الذي كان لدى هاميلتون. ظهرت المشكلة خلال لفّة التحمية".

وتابع: " لم أحصل حتى الآن على تفسير لما حدث لكن بكلّ تأكيد كان هناك انخفاض طفيف للطاقة بسبب الحرارة. لا نعلم إن كان السبب يعود إلى السائق، لكنّها أثّرت عليه طوال السباق، كما أثّرت عليه في المعركة التي جمعته بهاميلتون عند المنعطفين الأوّل والثاني".

محاولة المنعطف الثاني

هذه المساعدة الإضافيّة لهاميلتون ساهمت في دخوله إلى المنعطف الأوّل من القسم الداخلي، ومع سيره جنباً إلى جنب رفقة روزبرغ إلى المنعطف الثاني، وجد الألماني نفسه على حافة المسار ليبتعد هاميلتون في الصدارة.

كانت منافسة صعبة، لكنّها نظيفة، وهو نوع التسابق الذي تريد مرسيدس رؤيته. لكنّ السلبيّة الوحيدة تمثّلت في خسارة روزبرغ بعضاً من سرعته ما ساعد سيباستيان فيتيل وفالتيري بوتاس على تجاوزه.

وقال لوي: "ليس بالوضع الجيّد أن ترى سيارتا الفريق تدخلان المنعطف الأوّل بشكلٍ متوازٍ خاصة على هذا المسار، الذي يحمل تاريخاً طويلاً من الحوادث. بالحديث عن ذلك، يملك سائقانا علاقة رائعة، لكنّه منعطف صعب".

وتابع: "كنّا سعداء لرؤيتهما يعبران المنعطفين من دون حصول أيّ حادث، بالرغم من خسارة أحدهما مركزين. حصلنا حينها على عمل كبير لإعادة سيارة روزبرغ إلى المركز الثاني".

وأضاف: "كانت لديه مشكلة في درجة الحرارة، ما يعني وجود مشكلة في المحرّك".

ثمّ أكمل: "صحيح أنّها كانت أكثر ارتفاعاً في محرّك روزبرغ، لكن يمكن القول بأنّ حرارة محرّكيهما كانت أكثر من المعدّل الطبيعي. لأكون صادقاً كان الطقس أكثر سخونة ممّا كنّا نتوقّعه، كما لم نحصل على الكثير من البيانات لضبط السيارة جرّاء الأمطار يوم الجمعة. توجّب علينا إدارة وضع المحرّك".

ومع ابتعاد هاميلتون في الصدارة أمام فيتيل، صبّت مرسيدس تركيزها على إيجاد طريقة لتمكين روزبرغ من تجاوز بوتاس. الفنلندي أجرى توقّفه الأوّل عند اللفة الـ11، لكنّ الألماني واصل الدوران حول الحلبة إلى غاية اللفّة 15 إذ لم يكن قادراً على إطالة الفترة الثانية أو الثالثة.

بعد إجراء توقّفه، عاد الألماني خلف بوتاس، حيث بدا أنّه سيعلق خلفه مجدّداً. لكن بعد عدّة لفّات قام بمحاولة جريئة عند المنعطف ما قبل الأخير لتجاوز الفنلندي، وهي محاولة من ذلك النوع الذي يحتاجه للإبقاء على حظوظه للفوز باللقب.

وقال لوي حيال ذلك: "كنت متفاجئاً من توقّف بوتاس المبكّر. عادة لا يحاول فريق ويليامز إجراء التوقّف بشكلٍ مبكّرٍ لمنافستنا، لكنّهم قرّروا تقديم توقّفهم كثيراً، إنّه أمر مثير للإهتمام".

ثمّ تابع: "الأمر الجيّد أنّ روزبرغ تمكّن من تجاوز بوتاس على المسار، وهو أمرٌ جيّدٌ بالنسبة للسباق، حيث لم يمكن أمامه أيّة إمكانيّة للحلول في المركز الثاني لو لم يفعل ذلك".

مخاوف الإطارات

مع تقدّم روزبرغ إلى المركز الثالث، عاد التركيز لينصبّ على هاميلتون الذي كان يشير إلى اهتزاز في الإطار بعد إغلاق مكابحه.

وتابع لوي: "حدث تسطّح في إطار هاميلتون خلال الفترة الثانية من السباق، وحدث ذلك في وقت مبكّر بعد ثلاث أو أربع لفّات من إجراء توقّفه. بدأت الاهتزازات تسوء أكثر، وتوجّب علينا تقديم موعد توقّفه الأخير عمّا كان مخطّطاً له. كما ساعدنا ذلك على إزاحة مشكلة تسطّح الإطار والتي بلغت بنيته الداخليّة. بالإضافة إلى ذلك كنّا نحاول مساعدة روزبرغ على التقدّم من خلال الاستراتيجيّة".

انتظر هاميلتون قدر المستطاع إلى حين إجراء بوتاس، روزبرغ وفيتيل توقّفهم الثاني والأخير ليقوم بتغيير إطاراته في اللفّة 31. أثناء ذلك، قدّم روزبرغ لفّة سريعة بعد خروجه من خطّ الحظائر ما مكّنه من تجاوز فيتيل الذي أنهى توقّفه حينها ليضع نفسه في المركز الثاني خلف زميله البريطاني.

كان هاميلتون متقدّما عند ذلك الوقت بتسع ثوانٍ عن أقرب منافسيه، ما استبعد إمكانيّة منافسته على الصدارة، حتّى أنّه تمكّن من مضاعفة هذا الفارق لدى عبوره خطّ النهاية.

لكن مرّة أخرى كان أعضاء الفريق قلقين للغاية.

وقال لوي: "ربّما كان الوضع حينها، بشكل غريب، من أصعب الأوقات التي مررنا بها. واجهنا بعض المشاكل قرب نهاية السباق في المحرّكات، تلك المشاكل التي تقلّل من توقّعاتك، أشياء لم نكن نريد رؤيتها. قمنا بحلّ بعض المشاكل لكنّ الأخرى كنّا عاجزين على إدارتها، لذلك كنّا قلقين من حدوث أي شيء".

كما هي سياسة مرسيدس، تمّ إعلام السائقين بتخفيف وتيرتهما في نفس الوقت، وتابع لوي في هذا الصدد: "قمنا بتغيير الإعدادات لتصبح أكثر محافظة خلال المراحل الختاميّة من السباق. يجب أن نضمن أن تكون المنافسة عادلة بينهما عندما يسابق أحدهما الآخر بشكلٍ مباشر".

وأضاف: "بالإضافة إلى ذلك، كان هناك إمكانيّةٌ لدخول سيارة الأمان، حيث بالرغم من قيامنا بكلّ توقّفاتنا واحتلالنا المركزين الأوّل والثاني، إلاّ أنّ إمكانيّة حدوث خطب ما بسبب سيارة الأمان كانت لا تزال قائمة. في الحقيقة كاد ذلك أن يحدث بالفعل".

وأكمل: "التفاف سيارة ويل ستيفنز جاء في الوقت غير المناسب، حيث كان فيتيل قادراً على إجراء توقّفه والعودة على إطارات جديدة أكثر ليونة. كان لديه المساحة للقيام بذلك. كان ليخرج خلف زميله كيمي رايكونن، لكن يمكن أن نفترض أنّ الأخير سيفسح المجال أمامه لتجاوزه بسرعة، ما سيشكّل خطراً كبيراً علينا حينها، إذ لا نملك طريقة لتغطية ذلك...".

في النهاية سار كلّ شيء على النحو المخطّط له، وجعل هاميلتون السباق يبدو سهلاً. رسالته الأخيرة عبر الراديو بعد عبور خطّ النهاية كانت دلالة واضحة على معنى هذا الفوز لأولئك الذين كانوا متخوّفين.

وتابع لوي: "إنّه فوز مهمّ لروح الفريق. كما يعدّ تأكيداً للعمل الرائع الذي بذله أعضاء الفريق على السيارة، بالإضافة لما قمنا به للاستجابة وفهم ما حدث في سنغافورة".

وأضاف: "لم تكن بعض الأشياء من سنغافورة ذات صلة بهذا المسار، تعلّق الأمر بحسن استغلال الوقت للقيام بالأشياء المناسبة".

وأكمل: "كلّ مسار له طبيعة مختلفة. الجميع يريد معرفة ما حدث في سنغافورة. لكنّ كلّ حلبة تمثّل تحدّياً جديداً، ولهذا السبب لا يمكنك استسهال الأمور. سُئلت عدة مرّات عمّا سيحدث خلال عطلة نهاية هذا الأسبوع، وكانت إجابتي دائماً أنّني لا أملك أيّة فكرة".

واختتم: "لا أحاول حتى التوقّع لأنّك لا تعلم حقاً ما سيحدث في هذه الرياضة".

كن جزءًا من مشروعٍ كبير

اكتب تعليقاً
أظهر التعليقات
حول هذه المقالة
السلسلة فورمولا 1
الحدَث جائزة اليابان الكبرى
حلبة سوزوكا
قائمة السائقين لويس هاميلتون , نيكو روزبرغ , سيباستيان فيتيل , فالتيري بوتاس
قائمة الفرق مرسيدس , فيراري , ويليامز
نوع المقالة تحليل